التمدن السخيف و القيم المغفوله !

إن ما نشيده اليوم من أبراج، وما نرفعه من ناطحات سحاب لن تكون -يوماً- موروثاً لنا أو حتى فخراً ننقله لأجيالنا القادمة، إنما موروثنا الحقيقي فيتمثل في مدى تطورنا و إبداعنا العلمي و التعليمي، و فضائنا الواسع من الحرية الشخصية و مسرحنا الواقعي و أدبنا التربوي.

أما هذه المباني الشاهقة فما هي إلا صورة مصغرة لواقع الدولة التي تحتضن الفساد الإداري من جهة و السحر البصري من جهة أخرى، حيث استطاعت الحكومات المتتالية أن تقلب المعايير و تعكس الموازين و تخدع الشعوب بأن تجعل معيار التمدن و التطور مقروناً بعدد الأبراج و مدى ارتفاعها، و هذا تضليل خطير جداً.

و لتقريب الصورة، تخيل شخصاً يدافع عن النازية بنشر صور للقصر الرئاسي الألماني و مبنى “البونديستاغ” و الحدائق الرئاسية في ذاك العصر، كدليل على مدى التحضر و التقدم في هذا العصر، واثباً فوق كل صور الظلم و الاضطهاد اللذين سيطرا على هذا العهد من الحكم الفاشي.

فهده الثقافة تمكنت من التاريخ و زورت الحقيقة، بل و مازالت تزور واقعنا أمام أعيننا، فنحن نعيش في بلدان ناطحات السحاب مع أن حريتنا و كرامتنا مدفونة في القبور، تبحث لها عن منفذ لتخرج من الظلمات إلى النور.

نفتخر بما تملكه الحكومات من مبانٍ إدارية مزخرفة، و نغض الطرف عن الفساد الذي ينخر في حيطانها.
يدهشنا جمال المسارح و تطورها التقني و عدد الكراسي المعدة للمتفرجين، و نغفل أو نتغافل عن سطحية و ابتذال الطرح المسرحي.
نصور القصور الشاهقة مبتهجين و ننسى الأزقة التي يملؤها المشردون.
مدارسنا تملأ الأحياء و مناهجنا عاجزة عن بناء الأجيال و العقول.
هكذا أصبحنا قوالب جوفاء تملك من المدنية قشورها ولا تملك روحها.

إن ما نحتاجه هو إعادة بناء الإنسان، و الاهتمام ببناء الروح مزامنةً لبناء الجسد، نحتاج إلى انتشال الإنسان من واقعه المرير الذي يعيشه.
نحتاج إلى أن نرسخ مبدأ أن التطور ليس مقروناً بالمباني الشاهقه وحسب، كما أن الحضارة ليست مقرونة بالعمران الخاوي وفقط، بل إن ثوابتنا الإنسانية المستباحة من عدل و مساواه و خير و تكافل هي حضارتنا الحقيقية، و مهما حاولنا تزين الواقع الرديء الذي نعيشه بكماليات ساذجة فلن نصل إلى المجتمع المتكامل.

و ما نظامنا الاقتصادي إلا صورة مصغرة لهذه الحالة المعكوسة التي تسود المجتمع، فمصانعنا الهائلة و ما تنتجه من منتجات -يغلب عليها طابع الرفاهية- قائمة على أكتاف العمال الذي يبذلون جهداً جهيداً و في المقابل لا يتقاضون إلا مبلغاً زهيداً لا يتناسب مع حجم الجهد الذي يقومون به.

وبهذا أصبح الإقتصاد راعياً للبؤس و صانعاً للفروقات الطبقية، حيث يتم بناؤه على مقياس (أرباح أصحاب العمل)؛ مما يجعله عملية مقامرة غير أخلاقية بعيده كل البعد عن العملية الإنتاجية الحقيقية التي تقوم بوظيفة إجتماعية حساسة جداً.

فمهما تنوعت المنتوجات و تطورت التقنيات فلن يستفيد المجتمع شيئاً، طالما أنه لا يُعلي من شأن العامل الذي يحمل أعباء هذه الصناعات على عاتقه.

و علينا إن كنا نريد -حقاً- الخروج من هذه الدائرة السوداء أن نستيقظ من هذه الأحلام الوردية التي ترسمها لنا الحكومات، و ندرك جيداً أن هذه المظاهر الخادعة ماهي إلا خدع بصرية و ليست معياراً حقيقياً و أساسياً لعملية البناء و التطور الذي ننشده.

فمعرفتنا بالواقع تخبرنا بأن الإستاد الواسع لا يصنع فريقاً بطلاً، و أن أحدث تقنيات التصوير لن تستطيع وحدها أن تنتج طرحاً (تلفزيونياً) راقياً، كما أن أبنية المدارس المجهزة بأحدث الوسائل التعليمية -وحدها- لا تربي جيلاً واعياً مثقفاً و منتجاً.

في النهاية نحن أمام مفترق الطرق، إما أن ننساق بسذاجة خلف كذبهم المستمر، أو نخلق لأنفسنا وعياً حقيقياً ينير لنا دربنا .

الكاتب فـهد ماهر

فـهد ماهر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة